” غردت كثيرا ولكنك لم تخط مقالا عن منطقتنا…” بسخرية قالها خالد ونحن في الطريق للمرة الثانية في ظرف شهر نحو ” سبت أولاد النمة “ أنا متاكد أن قلة من أصدقاء الشمال يعرفون قرى “مرشوش”، حد الغوالم” وغيرها.. تلك التي نفضل المرور منها في طريقنا المعتادة نحو بني ملال ، عين اسردون وشلالات أوزود ، ثم العودة عبر “صخور الرحامنة” ونواحيها. ضحكت من هذا ” الملالي “الذي يحسن إثارتي وإخراج بعبعي ثم يسخر مني ، والحقيقة أن هناك أماكن وأناس تربطني بهم علاقات خاصة يعجز قلمي ،رغم سيولته،عن ايفائها حقها من الكتابة … إلى مرحلة متقدمة من شبابي كانت سفرياتي السياحية ، شمالية محضة، بل لم يكن ليخطر على بال جيلنا ، أصلا ،التفكير في غير وجهة البحر نحو الضفة الأخرى، ثم صدفة اكتشفت ، الشرق والأطلس والصحراء والجنوب من وطني .ووقفت على معادن الناس هناك فأصبحت أفضل هذه البقاع على غيرها من البلدان ولم تعد تغريني أوروبا إلا نادرا … يقول لي صديق عندما أسخط أحيانا على “مرتيني” وأحلم بهجرها إلى الأرجنتين وأبعد. “..المشكلة ليست في الأرض بل فينا نحن سكان تلك الأراضي ” وأكيد أن لخالد وعائلته الكريمة جزء كبير من مسؤولية هيامي “باولاد النمة “.عرفت خالدا في ظروف خاصة وتوطدت أخوتنا أكثر بعد معرفة العائلة كلها صغيرها وكبيرها ..الحاج الدرواشي الوالد العزيز ذاك الرجل الرائع ، يجعل من لقاءاته فسحة في رياض الذكر الحسن والحديث الرباني ..وعندما نجالسه في زياراته لعمالة دمرتين، تعيش شلة الأصدقاء سويعات جميلة مفحمة بنسائم روحية زكية.
..”وااابنادم !!!..أين أنت؟ انا متجه اللحظة إلى بني ملال …فك راسك” هكذا تبدأ تلك السفريات بدون تخطيط مسبق ولا إخبار أولي ؛ وبفضل الله ،كل مرة تساعفني الظروف، بل في هذه الأخيرة ، التقينا في وسط طريق الرباط السيار ، بعدما قطعت نزهتي من مكناس الإسماعيلية لإصطحابه نحو ديار “النمة”.لطارىء عزاء …
….أمام الإخوة وأفراد العائلة الكرماء (وكرم أولئك المغاربة نهر سيال سيولة شلالات المنطقة ، وعز يجعلونك تحس به عميقا لتفخر بالانتماء إلى أمة مغرب الجود والإيثار والقلوب الكبيرة ) ،يسيل خيط الحديث بتلقائية وتصبح فردا من العائلة الكبيرة ..”المهم ..ضعوا اسمي في الورقة الأخيرة بدفتر الحالة المدنية. أنا الآن عضو كامل الأهلية… ” أقولها وعيني تمحق الرد التهكمي “للخالد”. ..”ناري هذا بنادم لا يستحي !!!!! .أنا امزح معه بخصوص السفر ، وهو كل مرة يعيد الكرة لأجده بجنبي رغما عني “. أعشق تلك المنطقة من مغربي الجميل وأمني النفس بكوخ فلاحي أقضي فيه أسابيع من حياتي بعيدا عن ضغط المدينة ، أطفىء فيه “الملعون”وأقطع صلتي بهم الدنيا لأتلذذ بالحديث إلى البسطاء بعيدا عن لغة المفردات المزكرشة الكاذبة..ستكون تجربة جميلة لشمالي جبلي في مغرب الأطلس.. عشق تلك البقعة ينبع من بساطة الناس ونضارة الوجوه المكتسبة من الأرض الفلاحية المعطاءة عندما تجود سماء الإله بالغيث… بالاسماء ،كثرة هم وهن الناس الطيبون الذين عرفتهم من تلك المنطقة من وطني المغرب (كما هي مناطق أخرى ) .لذلك لن أمل كل مرة من الإسراع نحو سيارة خالد عندما يهاتفني بدون موعد -كعادته دائما -، :”…..وابنادم !!وفاينك ؟ .فك راسك ، راني خارج دابا لأولاد النمة….”